الطبراني
466
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
وقرأ الباقون ( يا أبت ) بالكسرة على الإضافة يقدّرها بعدها ، وقيل : كسرت ؛ لأنّها أجريت مجرى التأنيث . قوله تعالى : ( إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ) قال المفسّرون : رأى يوسف عليه السّلام هذه الرّؤيا وهو ابن اثنى عشر سنة ، قال ابن عبّاس : ( وذلك أنّه قال لأبيه : يا أبت إنّي رأيت في المنام أحد عشر كوكبا نزلت من أماكنها فسجدت لي ، ورأيت وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ؛ نزلا من أماكنهما فسجدا لي ، وأراد بذلك سجدة التّحيّة والعبادة للّه عزّ وجلّ ، كما يقوم الملائكة بالسّجود لآدم عليه السّلام ) . قال : ( وكانت الرّؤيا ليلة القدر ليلة الجمعة ، وكان تأويل رؤياه عند يعقوب : أنّ الشّمس والقمر هو في حالته ، وأنّ أمّ يوسف وهي راحيل كانت قد ماتت ، وأنّ الأحد عشر كوكبا إخوة يوسف وكانوا أحد عشر أخا ، وإنّهم كلّهم سيخضعون ليوسف ) . وإنّما تأوّلها يعقوب على ذلك ؛ لأنّه لا شيء أضوأ من الشّمس والقمر ، ويهتدي بضوئهما أهل الأرض ، ثمّ لا شيء بعدهما أضوأ من الكواكب ، فدلّت رؤياه على أنّ الّذي يخضعون له أئمّة الهدى الّذين يهتدي النّاس بهم . قوله تعالى : رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) ؛ ثانيا ليس بتكرار ؛ لأنه أراد بالرّؤية الثانية رؤية سجودهم له ، وإنما حملت الآية على الرؤيا لا على رؤية العين ؛ لأنا نعلم أن الكواكب لا تسجد حقيقة للآدميّين ، ولهذا قال يعقوب : ( لا تقصص رؤياك على إخوتك ) . وعن ابن عبّاس أنّه قال : ( لمّا قصّ يوسف رؤياه على أبيه نهره وزجره لئلّا يفطن إخوته ، وقال له في السّرّ : إذا رأيت رؤيا بعدها لا تقصص رؤياك على إخوتك ) . فذلك قوله تعالى : قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي ، يعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوا بها حسدوه فأمره بالكتمان ، وإنما كان قصّها على يعقوب فقط ، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية ، أي لا تخبرهم بذلك لئلّا يحملهم الحسد إلى قصدك بسوء ، ومن الخضوع له على إنزال التثريب عليه والاحتيال لهلاكه ، والكيد : هو طلب الشرّ بالإنسان على جهة الغيظ عليه .